أنا أسف أيها المجرمون .

الساخر :

كان اللقاء الأول و لقد عدت إليهم اليوم من جديد … نفس المدرسة و نفس المدير و نفس القهوجي الذي يُرى عليه أثر السفر و لو لم يسافر ، غير أن المبنى جديد و التعليم في مثل هذه المدرسة يعد ضربا من الرفاهية التي تنقطع دونها أعناق الوساطات فلا أعداد كبيرة للطلاب و لا حصص تذكر مع تفريغ يومين المرة الأولى التي دخلت فيها الفصل قابلني طلاب أول ثانوي بزيهم الأزرق و قد كتب على صدر كل سجين منهم اسمه ، رمقتهم و إذا بأعينهم مليئة بحكايات الكبار و على وجوههم مسحة ” رجل مجاهد ” لا ينقصه إلا قضية حق يموت في سبيلها و أن يؤمن بما يريد شرحت لهم الدرس فتفاعلوا كانوا يتمازحون أثناء الدرس قال فواز : كلنا سنخرج خلال شهرين فيصبح عدد طلابك ثلاثة فقط .. و كان عددهم عشرة .. مد إصبعه إلى الطويل الحزين فقال هذا سيبقى ثمان سنين فكان ” هذا ” قد خفض رأسه و تشاغل بالكتابة لكي لا يضطر عينيه إلى رجولة مصطنعة و جلادة لم يعد يفخر بها كثيرا . جاء في اليوم التالي موعد حصة الثالث طبيعي … كان عدد الطلاب ثلاثة ، و كانوا ينظرون إلي كصديق جديد فقد انتفت من قلوبهم رهبة الأستاذ و الألقاب التي يمارسها أهل الخارج أهلا بك يا أستاذ : نمسح السبورة ؟ فقلت : لا بل أنا أفعل شرحت لهم الدرس و كانوا يتابعون معي بنظام عجيب و يشاركون بجدية و كان أحدهم ضحوك الوجه بشوش المحيا كأن وجهه معجون بحنطة فسألته عن إسمه فقال : ” محمد ” فإذا به من قبيلتي ، كان أكثرهم ضحكا و مزاحا فحدثتني نفسي أن أسألهم عن أحكامهم ، فتكلم ” محمد ” و قال : هذا سيخرج بعد شهر و هذا سيحكم عليه اليوم بثلاثة أشهر .. و كنت أبدي سعادتي لهم بابتسامة عريضة اتبعتها بسؤال أبله تلقائي : و أنت يا محمد ؟ فقال : قصاص ” إعدام ” … شعرت لبرهة أن الزمن توقف و انولجت تحت جلد وجهي صورة كئيبة لي تقتحمني بشدة كلما صدمت بحزن مليء بالخيبة مع أني نسيت فمي مبتسما على آخر عهده فظهر وجهي بشكل يدعو للشفقه .. جمعت شتاتي بسرعة فلاحظ هو ذلك و قال و هو مازال يبتسم بجرأة و ينقل في دفتره من السبورة : ” أكيد تقول يا أستاذ أنت أكثرهم ضحك و انت محكوم قصاص ؟ ” .. ثم سكت و لم يشرح هذا التناقض الذي اشار إليه فعلمت أني لست الأول الذي يقف هذا الموقف ، قلت بلهجة غبية ساذجة مفضوحة السخف و الدعاء البارد : ” لا يا شيخ بكره يفرجها ربك ” .. نظر إلى وجهي الذي اكتساه شيء من العته و الاضطراب المخبول فابتسم و أعاد نظره إلى الدفتر , فعرفت أنه قد اجتاز مرحلة البحث عن المشفقين إلى مرحلة الشفقة عليهم كلما تصنعوا الشفقة و فشلوا في ذلك ، خرجت و هم يقولون : يعطيك العافية يا أستاذ جميل . خرجت من عندهم و أنا اشعر بكم كبير من الإنسانية التي لا أجدها إلا عندهم فكل تصرفاتهم ” نقية و صادقة ” لا يتصنعون الرجولة و لا مراهقة المراهقين و إنما يمارسون ” الشعور التلقائي البسيط الجميل ” بكل تفاصيله ” … لا أدري لماذا عندما نتورط بـ الحزن نصبح أكثر بشرية و أكثر حميمية و ألفة .

قد يعجبك ايضا :


مواضيع اخري لـ راشد يسلم :

أضف تعليق