الحق والباطل
د/ محمود الربيع :
قرأت في صباي ـ كما قرأ غيري ـ أن الذئب قال للحمل : إنك عكرت علي الماء , فرد الحمل على الذئب بقوله : إن الماء يجري من جهتك إلى جهتي أنا فلا يمكن ” عقلا ” أن أعكره عليك , ومع أم الحمل ( صوت الحق ) قد قدم جوابا مسكتا , فإن الذئب ( صوت الباطل ) يبدو أنه أكله في نهاية المناقشة
وسمعت الشاعرة “فدوى طوقان ” تروي بصوت متهدج عبر الأثير أسطورة الحق والباطل , قالت : تشاجر الحق والباطل , فقتل الحق الباطل , وزاد فأحرق جثته , وحوله رمادا , ولما بحث عنه أهله ووجدوه صبوا عليه بعض الماء ليطفئوا ناره أو (نارههم !!) فتحول إلى عجين داكن , هو أصل حبر الكتابة , والمغزى واضح : الحق كلمة لا تمحى, لها صفة الديمومة , ولكنها مهزومة .
وفي قصة الذئب والحمل السالفة أسكت الحق الباطل منطقا , وأسكت الباطل الحق واقعا وعملا ! .
وفي القرون الأخيرة نهب الاستعمار القديم ثروات آسيا وأفريقيا على نحو ” منهجي ” منظم , وبنى بها إمبراطوريته ” وراء البحار ” ولم يكتف الاستعمار بذلك , بل أقام نظاما عنصريا في جنوب إفريقيا , يعد عارا دائما في وجه البشرية , وباع آلاف ـ بل ملايين ـ البشر كالقطعان في أسواق الرقيق , وحين انتهى نظام التفرقة العنصرية , ونظام العبيد لم يظفر الحق من الباطل حتى باعتذار شفوي !.
ومن عادة الباطل أنه إذا خرج من الباب عاد من النافذة , كما أن من عادته أنه يلون جلده حتى ليبدو أحيانا في صورة الحق , ويتقمص شخصيته , ويتحدث باسمه , وهكذا زرعت إسرائيل في أرض فلسطين بقوة السلاح , وطردت أصحاب الأرض من أرضهم , ثم دمغت الدفاع عن هذه الأرض بأنه إرهاب , وزادت فسوقت هذه الكلمة لأصحاب الأرض , وقد سمعت بأذني مسئول السلطة الفلسطينية يدعو شعبه إلى وقف العمليات ال.. !!.
فلما كان الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001م زلزلت الأرض زلزالها , ولم يعد العالم بعد هذا التاريخ مثلما كان عليه من قبل . وقد اختلط الحابل بالنابل , وحدث “تشويش” فظيع شمل القيم والمفاهيم واللغة , ثم بدأت بعض النتائج الحُكمية في الظهور , دون أن يكشف عن مقدماتها , أو النهج الذي تُوصل به إليها , وصيغت على عجل اتجاهات أريد للعالم أن يحشر فيها حشرا , مجملها أنه من ليس منا فهو علينا , والمطلوب الانحياز” أولا , ثم يأتي ” الاقتناع ” بعد ذلك (أو لا يأتي !) وهكذا أصبح الباحث عن الحقيقة كالباحث عن إبرة في كومة من القش كما يقولون , وأتانا معنى ” الحليف النصير ” من الغرب المتحضر هذه المرة في صورة أقرب ما تكون إلى ما حفظناه في الصبا :
لا يسألون أخاهم حين ندبهم … في النائبات على ما قال برهان
يقول الله تعالى في كتابه العزيز : ” بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ” الأنبياء : 18 ومعنى هذا أن الحق محتاج إلى من يقذفه على الباطل ليعلو عليه ! , إذ لا يمكن للحق أن يعلو عليه من تلقاء نفسه , وهكذا تنتظم السنن الكونية في أمر الحق والباطل , الحق حق , والباطل باطل , ولا يمكن أن يشتبها , ومن شأن الحق أن يغلب الباطل , لكن ذلك لا يتم أبدا بطريقة آلية , أو بطريقة نظرية , أو أخلاقية وعظية ـ دعك من أن يتم بطريقة التمني ـ إنه لابد أن يتم بفعل فاعل , وصدق الله العظيم .
قد يعجبك ايضا :
مواضيع اخري لـ راشد يسلم :







